صوري
الاثنين، 10 أغسطس 2009
ترصد هموم الشباب العربي وتحديات المرحلة المقبلة «حتى القهوة أصابها البرود»
اعتمد الادب العربي شعرا ونثرا على مجازات ورمزيات كثيرة
صورت الواقع بمرارته وآلامة واحزانه وألقت اسقاطات على
بعض الاشخاص التى شكلت جزءا مهما من هذا الواقع وهذه
المجموعة التي شارك فيها عدد من المؤلفين وقدم عرضها
الكتورة ايمان الدواخلي و الاديب محمد الدواخلي حتى القهوة
أصابها البرود هي إحدى الصور للإسقاطات المجتمعية ورغم انه
من المعروف أن القهوة مشروب محبب للكثيرين, ويزداد
الاشتياق لها حين تنهك العقول وتنشغل, وما أكثر ما ينهك عقول
الشباب في عصرنا المجنون ويشغلها. حتى القهوة أصابها
البرود! فأصبح كل شيء بلا طعم بعد أن طغت مرارات القلوب على كل تحويجة ممكنة للفنجان المحبوب. هكذا تسجل
قصة حتى القهوة أصابها البرود لحظة يأس تطغى على كل ما حولها فتمسخه وتفقده قيمته. القصة ضمن مجموعة
قصصية بنفس الاسم من إصدارات جماعة التكية الثقافية وهو يعد تجربة متميزة جمعت بين الجرأة والتجديد, فالكتاب
أفسح المجال لعدد كبير من الموهوبين الشباب (21 كاتبا) من مختلف أنحاء الوطن العربي وأعطى مساحة واسعة لتنوع
كتاباتهم بين أشكال حداثية جديدة كالقصة القصيرة جدا التي تعد ومضة لا تزيد عن ثلاثة اسطر إلى جوار الأشكال الأكثر
قدما كالخرافة التي تحمل عبق الأسطورة والتراث العربي مثل قصة «بيت الأرواح». ومع تنوع الأساليب والأشكال (حتى
بين أعمال الكاتب الواحد) فإن المواضيع تجتمع حول هموم مشتركة يحس بها الكتاب والقراء جميعا في هموم نلمسها في
الحياة اليومية والتي نأخذ لها كمثال أجاد التعبير «الأسود لا تشتري الكريمر» التي تسجل رثاء الإنسان لنفسه وإلقائه
عاقبة المتاعب على الزوجة حتى يوضع في موقف مماثل لمتاعبها فيقدرها. أو «جريمة اليوم» التي تسجل باقتدار كيف
تتراكم الذنوب صغيرها وكبيرها على الإنسان لتجمع حصادا يوميا أسود لا يشعر به و «تصفيقا حادا» وغيرها من
القصص التي تلتقط صورا من الحياة اليومية فتسجلها بتعليقها الخفي الذي ينطقه القارئ ولا يقرأه. ونجد قصصا أخرى
تسجل حالة المجتمع بكل تناقضاته وتشوهاته كما تفعل «شيزوفرنيا» و«نص القانون» اللتان تسجلان العقلية المزدوجة
التي تقبل من الدين صلاته ومن الشيطان رشاويه, و «صديقي ماسح الأحذية الطفل» في تجسيد لغوي بديع لمأساة عمل
الأطفال الذين طحنتهم الظروف الاقتصادية وهي قصة مكتوبة بلغة تسعى للسمو وماسح أحذية كلما قام بمسح حذاء
نازعت عيني في البكاء ثم يخرج بي فى سرعة راقية لهذا الرجل المتسول (ظاهرياً) ولقطة تذهب بي إلى جو صوفي
خلاب وأنا أراجع في ذاكرتي كل الحكايات التي استمعت لها عن (أصحاب أهل الخطوة) وأقرنها -على استحياء- بقفزات
مرض السرطان اللعين، وهو نفس ما تسجله قصة أخرى باسم «قصتان» ترصد التفاوت الهائل بين الطبقات الذي
ازدادت حدته في السنين الأخيرة. بينما تسجل «أقصد الصورة بالطبع» حالة فريدة من التقوقع حول النفس حتى يخشى
الإنسان تحقق أحلامه حيث ركزت القصة على اللقاء كحدث بالنسبة للبطل أكثر من أن توضح خلفية الأحداث، إلا في
سطور قليلة فقط . ولأن الشباب العربي مهموم دوما بقضاياه السياسية خاصة مع تزايد الصراع ضد قهر الاستعمار من
ناحية وتسلط ذوي السلطان من ناحية أخرى نجد قصصاك «كيس الحلوى» و «شجرة التين» و «المواطن المستقيل»
تسجل هذه الصراعات الهائلة التي تحرق أحيانا روح ضحاياها كما فعل المواطن المستقيل حيث في هذه القصة يرتكز
الكاتب على تقنية الفلاش باك لتوضيح بعض أسباب حالات شخصية البطل و طبيعته النفسية فتكوينها البنائي بمثابة
مجموعة من القصص المتداخلة، أو تزرع بذرة صمود تنمو من تحت الأنقاض كما في شجرة التين وترصد كيف أن
حدود السيادة تتلاشى حين تضيع الحمية في «حدود الخجل». ففي قصة «كيس الحلوى» يهتم الكاتب بأدق تفاصيل
المشهد فاهتمامه بالوصف جزء من الحبكة الفنية فكأنه دمج بين وصــف المشــهد و مكونات (الصراع). الكتاب قراءته
تجربة ممتعة, فهو يتميز بتنوع كبير في المواضيع والأساليب. ومتابعة تلك البراعم الموهوبة التي لم تجتمع في مكان
واحد من قبل ولكن جمعتهم الموهبة والإصرار وهي تقدم ثمارا مختلفة من ثمار الأدب الساخر و الرومانسي و الخيالي
والواقعي في حديقة قصصية واحدة يكشف عن مواهب مبشرة تستحق مزيدا من الرعاية والاهتمام.

ردود على "ترصد هموم الشباب العربي وتحديات المرحلة المقبلة «حتى القهوة أصابها البرود»"
إرسال تعليق